أرباح صندوق التّوفير بالبنوك هل هي ربا؟ وهل اقتراض الدول أو الأفراد يدخل في المعاملات الربوية؟
أرباح صندوق التّوفير بالبنوك هل هي ربا؟ وهل اقتراض الدول أو الأفراد يدخل في المعاملات الربوية؟
جواب الإمام الأكبر شيخ الأزهر محمود شلتوت
أفتى بأن أرباح صندوق التوفير حلال لا حرمة فيه بلا قيد أو شرط، وأن اقتراض الدول أو الأفراد لضرورة لا تدخل في الربا الذي حرّمه القرآن الكريم، وأوصى أن يُقدّر الضرورة من عدمها ذوي الرأي من القانونيين والاقتصاديين والشرعيين.
وردّ الإمام على رأي بعض العلماء أن الربح الذي تدفعه مصلحة البريد والبنوك لأصحاب الأموال المودعة في صندوق التوفير حرام؛ لأنه إما فائدة ربوية للمال المودع أو منفعة جرها قرض، وكلا الأمرين حرام في نظر الشريعة، وعلى هذا يجب رده ويحرم أخذه والانتفاع به.
بقوله: "الذي نراه - تطبيقا للأحكام الشرعية، والقواعد الفقهية السليمة - أنه حلال ولا حرمة فيه، ذلك أن المال المودع لم يكن دينا لصاحبه على صندوق التوفير، ولم يقترضه صندوق التوفير منه، وإنما تقدّم به صاحبه إلى مصلحة البريد من تلقاء نفسه طائعا مختارا، ملتمسا قبول المصلحة إياه. وهو يعرف أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجاريه ويندر فيها - إن لم يعدم - الكساد أو الخسران.
وقد قصد بهذا الإيداع أولا: حفظ ماله من الضياع، وتعويد نفسه على التوفير والاقتصاد.
ثانيا: إمداد المصلحة بزيادة رأس مالها، ليتسع نطاق معاملاتها، وتكثر أرباحها فينتفع العمال والموظفون، وتنتفع الحكومة بفاضل الأرباح.
ولا شكّ أن هذين الأمرين - تعويد النفس على الاقتصاد، ومساعدة المصلحة الحكومية - غرضان شريفان كلاهما خير وبركة، ويستحق صاحبهما التشجيع، فإذا ما عيّنت المصلحة لهذا التشجيع قدرا من أرباحها منسوبا إلى المال المودع أي نسبة تُريد، وتقدّمت به إلى صاحب المال، كانت دون شكّ معاملة ذات نفع تعاوني عام، يشمل خيرها صاحب المال والعمال والحكومة، وليس فيها مع هذا النفع العام أدنى شائبة لظلم أحد، أو استغلال لحاجة أحد، ولا يتوقف حلّ هذه المعاملة على أن تندمج في نوع من أنواع الشركات التي عرفها الفقهاء، وتحدّثوا عنها وعن أحكامها.
وفي الواقع أنّ هذه المعاملة بكيفيتها، وبظروفها كلها، وبضمان أرباحها لم تكن معروفة لفقهائنا الأولين وقت أن بحثوا الشركة ونوّعوها، واشترطوا فيها ما اشترطوا.
وليس من ريب في أنّ التّقدم البشري أحدث في الاقتصاديات أنواعاً من العقود والاتفاقات المركّزة على أسس صحيحة لم تكن معروفة من قبل؛ وما دام الميزان الشرعي في حلّ التعامل وحرمته قائما في كتاب الله "وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ"، "لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" فما علينا أن نحكمه، ونسير على مقتضاه. ومن هنا يتبين أن الرّبح المذكور ليس فائدة لدَيْن حتى يكون ربا، ولا منفعة جرّها قرض حتّى يكون حراما على فرض صحة النهي عنه، وإنّما هو كما قلنا تشجيع إلى التوفير والتعاون اللذين يستحبهما الشّرع...
لا شكّ في أن القرآن حرّم على المؤمنين التعامل بالرّبا، والرّبا مُحدد بالعرف الذي نزل فيه القرآن، بالدّيْن يكون لرجل على آخر، فيطالبه به عند حلول أجله، فيقول له الآخر: أخّر دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك "وهو الربا أضعافا مضاعفة" فنهاهم الله عنه في الإسلام.
وواضح أنّ هذا الصنيع لا يجري عادة إلا بين معدم غير واجد، وموسر يستغل حاجة الناس، غير مُكترثٍ بشيء من معاني الرحمة التي يُبني الإسلام مجتمعه عليها، والتي لو عُدمت في المجتمعات؛ لأصبحت كفايات الحيوانات المفترسة، وهذا النوع من لا تقبل إنسانية فاضلة الحكمَ بإباحته، وقد قابل القرآن الكريم حرمتَه في جميع الآيات التي وُجد فيها بالصدقة التي تُبذل في مساعدة الفقير المحتاج، وتُشير هذه المقابلة إلى أن تلك الحالة كان جديرا بها أن تجرى فيها الصدقة، وهي التبرع المحض، فإن لم تكن صدقة فلا أكثر من الردّ بالمثل، ومن النظرة إلى الميسرة: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ"،"لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ". أمّا الزيادة والمضاعفة فيها، فهُما ظلم وعُدوان، وهما من مُوجبات المقت والغضب عند الله، "وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ".
والفقهاء تمشيا مع توسيع نطاق التّراحم، والبعد عما يفتح على الناس باب التّزاحم المادي في الضغط على أرباب الحاجات، توسّعوا كثيرا فيما يتناوله الربا، وكان لهم في ذلك مشارب مختلفة وآراء متعددة. ورأى كثير منهم أن الحرمة فيما يحرمون يتناولون المتعاقدين معاً المقرض والمقترض.
وإنّي أعتقد أن ضرورة المقترض وحاجته مما يرفع عنه إثم ذلك التعامل؛ لأنه مضطر أو في حكم المضطر، والله يقول: "وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ".
وقد صرّح بذلك بعض الفقهاء، فقالوا: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح. وإذا كان للأفراد ضرورة أو حاجة تُبيح لهم هذه المعاملة، وكان تقديرها مما يرجع إليهم وحدهم، وهم مؤمنون بصيرون بدينهم، فإن للأمة أيضا ضرورة أو حاجة، كثيرا ما تدعوا إلى الاقتراض بالربح، فالمزارعون كما نعلم تشتد حاجتهم في زراعاتهم وإنتاجهم إلى ما يُهيئون به الأرض والزراعة. والحكومة كما نعلم تشتد حاجتها إلى مصالح الأمة العامة، وإلى ما تعدّ به العدة لمكافحة الأعداء المغيرين. والتجار تشتد حاجتهم إلى ما يستوردون به البضائع التي تحتاجها الأمة، وتُعمَّر بها الأسواق. ونرى مثل ذلك في المصانع والمنشآت التي لا غنى لمجموع الأمة عنها، والتي يتسع بها ميدان العمل فتُخفف عن كاهل الأمة وطأة العمال العاطلين. والعمل على العزة والتّقدم وعلاج التعطل، يُعطي للأمة في شخص هيئتها وأفرادها هذا الحق، ويُبيح لها - ما دامت مواردها في قلة - أن تقترض بالربح تحقيقا لتلك المصالح التي بها قيام الأمة وحفظ كيانها.
غير أنّي أرى أن يكون تقدير الحاجة والمصلحة مما يؤخذ عن "أولي الرأي" من المؤمنين القانونيين والاقتصاديين والشرعيين، ويكون ذلك في ناحيتين: ناحية تقدير الحاجة، وناحية تقدير الأرباح، واختيار مصادر القروض، فلا يكون قرض إلا حيث تكون الحاجة الحقيقية، ولا يكون قرض إلا بالقدر المحتاج إليه، وتدفع إليه الضرورة والحاجة، ولا يكون قرض إلا من جهة لا تضمر استغلالنا.
المصدر: الإمام الأكبر محمود شلتوت، الفتاوي، دراسة لمشكلات المسلم المعاصر في حياته اليومية العامة، ٣٥٥:٣٥١.